ابن كثير

32

البداية والنهاية

إذا عضني صرف الزمان فإنني * براياته أسطو عليه ورائه وله في بدو أمره : أرى الكتاب كلهم جميعا * بأرزاق تعمهم سنينا وما لي بينهم رزق كأني * خلقت من الكرام الكاتبينا وله في النحلة والزلقطة : ومغردين تجاوبا في مجلس * منعاهما لأذاهما الأقوام هذا يجود بعكس ما يأتي به * هذا فيحمد ذا وذاك يلام وله : بتنا على حال تسر الهوى * لكنه لا يمكن الشرح ( 1 ) بوابنا الليل ، وقلنا له : * إن غبت عنا هجم الصبح وأرسلت جارية من جواري الملك العزيز إلى الملك العزيز زرا من ذهب مغلف بعنبر أسود ، فسأل الملك الفاضل عن معنى ما أرادت بإرساله فأنشأ يقول : أهدت لك العنبر في وسطه * زر من التبر رقيق ( 2 ) اللحام فالزر في العنبر معناهما * زر هكذا مختفيا في الظلام قال ابن خلكان : وقد اختلف في لقبه فقيل محيي الدين وقيل مجير الدين ، وحكي عن عمارة اليمني : أنه كان يذكر جميل وأن العادل بل الصالح هو الذي استقدمه من الإسكندرية ، وقد كان معدودا في حسناته . وقد بسط ابن خلكان ترجمته بنحو ما ذكرنا ، وفي هذه زيادة كثيرة والله أعلم . ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة فيها اشتد الغلاء بأرض مصر جدا ، فهلك خلق كثير جدا من الفقراء والأغنياء ، ثم أعقبه فناء عظيم ، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل : أن العادل كفن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف ، وعشرين ألف ميت ، وأكلت الكلاب والميتات فيها بمصر ، وأكل من الصغار والأطفال خلق كثير ، يشوي الصغير والداه ويأكلانه ، وكثر هذا في الناس جدا حتى صار لا ينكر بينهم ، فلما فرغت الأطفال والميتات غلب القوي الضعيف فذبحه وأكله ، وكان الرجل يحتال على الفقير فيأتي به ليطعمه أو ليعطيه شيئا ، ثم يذبحه ويأكله ، وكان أحدهم يذبح امرأته

--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 3 / 160 : بتنا على حال يسر الهوى * وربما لا يمكن الشرح ( 2 ) في الوفيات : دقيق اللحام .